فخر الدين الرازي
59
تفسير الرازي
المسألة الأولى : قال قوم إبراهيم * ( اقتلوه أو حرقوه ) * ( العنكبوت : 24 ) وقال قوم لوط * ( ائتنا بعذاب الله ) * وما هددوه ، مع أن إبراهيم كان أعظم من لوط ، فإن لوطاً كان من قومه ، فنقول إن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم بتعديد صفات نقصهم بقوله : لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يغنى والقدح في الدين صعب ، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق ، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ارتكاب المحرم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين ، فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم قول إبراهيم ، فقالوا إنك تقول إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول لا يعذب ، فإن كنت صادقاً فأتنا بالعذاب ، فإن قيل إن الله تعالى قال في موضع آخر * ( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم ) * ( النمل : 56 ) وقال ههنا * ( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا ) * فكيف الجمع ؟ فنقول لوط كان ثابتاً على الإرشاد مكرراً عليهم التغيير والنهي والوعيد ، فقالوا أولا ائتنا ، ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا ، ثم إن لوطاً لما يئس منهم طلب النصرة من الله وذكرهم بما لا يحب الله * ( فقال رب انصرني على القوم المفسدين ) * فإن الله لا يحب المفسدين ، حتى ينجز النصر . واعلم أن نبياً من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم ، كما قال نوح : * ( إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً ) * ( نوح : 27 ) يعني المصلحة إما فيهم حالا أو بسببهم مآلا ولا مصلحة فيهم ، فإنهم يضلون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون الأولاد من صغرهم بالامتناع من الاتباع ، فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال واشتغلوا بما لا يرجى معه منهم ولد صالح يعبد الله ، بطلت المصلحة حالا ومآلا ، فعدمهم صار خيراً ، فطلب العذاب . قوله تعالى * ( وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ باِلْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) * . لما دعا لوط على قومه بقوله : * ( رب انصرني ) * استجاب الله دعاءه ، وأمر ملائكته بإهلاكهم وأرسلهم مبشرين ومنذرين ، فجاءوا إبراهيم وبشروه بذرية طيبة وقالوا : * ( إنا مهلكوا أهل هذه القرية ) * يعني أهل سدوم ، وفي الآية لطيفتان : إحداهما : أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين ،